الشمس تتوقف في كبرياء تتعامد على رؤوسنا،المكان قد يكون أي نقطة على أسفلت هذه العاصمة ذات السيارات المسعورة بالسرعة و اكتظاظ البشر ، و لكن هذه المرة بالتحديد المكان هو مدخل كبري (كوبر)،الوقت منتصف النهار، الحالة جفاف حاد في حلوق الصائمين الذين يتوقفون في محطة (البص) ينتظرون الدواب الميكانيكية ذات الجلد المعدني المسماة حقيقة (بصات) و الناس (يبصبصون) خلسة إلى الناحية التي تأتي منها هذه الدواب ليبدأ بعدها الركض و الركل و التزاحم ، فالكل يحمل أناه ليلقي بها على مقعد داخل (البص) ، حشرٌ كبير من المتزاحمين، كل واحد منهم يصيح (نفسي .. نفسي) ..
أحس أن الشمس في هذه اللحظة تتعامد على خط راسي وحدي، و على الرصيف أسيح عرقاً و على الرصيف الآخر يصيح فتىً في منتصفِ العقد الثاني من العمر يقول:-
الليمون .. الليمون
و يركض خلف السيارات حاملً أكياس الليمون بكلتا يديه و لا يكف عن الصياح أبداً (الليمون .. الليمون) فهو يبيع الليمون لأصحاب السيارات المسعورة على شارع الإسفلت ، أحذت أراقبه و هو يركض يركض يبيع كيس ليمون لهذا، و يركض خلف تلك السيارة الفارهة التي أشترى من بداخلها كيس ليمون أصفر ثم أصبحت إشارة المرور خضراء معلنة بدء الركض من جديد، ركض الجميع بمن فيهم الفتى بائع الليمون خلف السيارة الفارهة لكي يرجع لصاحبها ما تبقى له من نقود ..
صفارات السيارات تصرخ بجنون و الفتى يركض يركض في يده كيس ليمون و على اليد الأخرى باقي نقود صاحب السيارة الفارهة.
في لحظة ما توقف الجميع عن الركض .. السيارات .. المتزاحمون و فتى اليمون، و في هذه اللحظة أيضاً صمت الجميع عن الصراخ بعد أن صرخ فتى الليمون صرخة عظيمة تناثر معها الليمون على الإسفلت تناثر حبات مسبحة أنفرط عقدها و صاحبها درويش صوفي يدور يدور في ملكوت الذكر يبحث عن المدد ..
يد الفتى كانت ممدودة من تحت إطار السيارة التي صدمته و اللون الأحمر يسيل منها بشده لكن هذه اليد ظلت ممسكة بباقي نقود صاحب السيارة الفارهة الذي توارى عن الأنظار في نهاية الشارع مُخلفاً خلفه فتى يسبح في دمه و ليمون متناثر و يداً مُمسكةً بباقي النقود ..
عدتُ إلى المنزل .. و لم أستطيع أن أنسى تلك الصورة أبداً .. ففي المساء و مع أذان المغرب و بعد تناولي بضع تمرات أحلت صيامي تناولت كوب فارغ و بدأت أصب عليه العصير و ما أن تناولته حتى تذوقت طعم الإسفلت و شممت رائحة الدم مختلطة برائحة الإطارات المطاطة و سمعت ضجيج السيارات و رأيت يداً ممدودةً بباقي النقود .. و لم أستطيع إكمال العصير فقد كان عصير ليمون.
حاولت جاهداً إبعاد تلك الصورة عن مُخيلتي قدر الإمكان لكنني لم أستطيع لأن هنالك سؤال أخذ يطرق باب رأسي بعنف ألا و هو ( أوليس المكان الصحيح لهذا الفتى هو مقاعد الدراسة بدلاً عن الرصيف ؟) أم هي أكاذيب مجانية التعليم التي تصدرها أعلى نقطة في هرم هذا الوطن فتسقط إلى القاع و لا ترى النور أبداً ..
و على رصيف آخر، فتى يافع آخر لم يتجاوز العاشرة من العمر يبيع قوارير المياه للمارة, اشتريت منه قارورة و سألته ( إنت بتقرأ مدرسة) أجابني (أيوة بقرأ بالصباح و بالليل ببيع الموية علشان أوفر قروش المدرسة و الفطور).
الجمعة 10/08/2012



0 التعليقات:
إرسال تعليق